الشيخ المحمودي
628
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
ومنها : قد لبس للحكمة جنّتها وأخذها بجميع أدبها من الإقبال عليها والمعرفة بها والتفرّغ لها ، فهي عند نفسه ضالّته الّتي يطلبها ، وحاجته الّتي يسأل عنها ، فهو مغترب إذا اغترب الإسلام ، وضرب بعسيب ذنبه ، وألصق الأرض بجرانه « 18 » ، بقيّة من بقايا حجّته ، خليفة من خلائف أنبيائه . ثمّ قال عليه السّلام : أيّها النّاس إنّي قد بثثت لكم المواعظ الّتي وعظ الأنبياء بها أممهم ، وأدّيت إليكم ما أدّت الأوصياء إلى من بعدهم ، وأدّبتكم بسوطي فلم تستقيموا ، وحدوتكم بالزّواجر فلم تستوسقوا ، للّه أنتم أتتوقّعون إماما غيري يطأ بكم الطّريق ؟ ويرشدكم السّبيل ؟ ! ألا إنّه قد أدبر من الدّنيا ما كان مقبلا ، وأقبل منها ما كان مدبرا ، وأزمع التّرحال عباد اللّه الأخيار « 19 » ، وباعوا قليلا من الدّنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى . ما ضرّ إخواننا الّذين سفكت دماؤهم - وهم بصفّين - أن لا يكونوا
--> ( 18 ) الجنّة : ما يستتر به ويتوقّى به . وعسيب الذنب : أصله أو عظمه أو منبت الشعر منه . والجران بالكسر : الصدر أو مقدم العنق من البعير . ( 19 ) حدوتكم بالزواجر - على زنة دعوتكم وبابه - رفعت صوتي بالقاء الزواجر الدينية والطوارد العقلية كي تساقوا إلى الحقّ كما يرفع راعي الإبل صوته بالحداء كي يسوق الإبل وينشطها على السير . فلم تستوسقوا : لم تجتمعوا ولم يضم بعضكم إلى بعض لإنقاذ أمري وللمضي على الصراط المستقيم . يطأ - على زنة يدع - : يسلك بكم طريق الحقّ ويسهّل عليكم المضيّ عليه . وأزمع : عزم بجدّ معلنا عزمه متظاهرا به . والترحال بفتح التاء : الانتقال .